الثلاثاء، 6 نوفمبر، 2007

35) الذكر بلا إله إلا الله :

صورة هذا الذكر مركبة من النفى والإثبات ، فبهذه الكلمة الطيبة يمكن الاهتداء على الحقيقة ، وإلى الحق سبحانه تعالى ، فيجب على الذاكر أن ينظر حال نفيه إلى وجود جميع المحدثات بنظر الفناء وعدم الرغبة إليها ، ويشاهد الحق سبحانه وتعالى حال الإثبات بنظر البقاء والقدم ، وأنه هو المقصود ، والمطلوب والمحبوب . ومما يجب عليه أثناء الذكر أن يبطل بالنفى كل ما حضر من الأول إلى الآخر ، وكل ما كان قيّدا لقلبه ويقيم محبة الحق ويثبتها مقام كل ما نفى حتى يفرغ القلب ويخلو بالتدريج عن جميع محبوباته ومألوفاته ، ويضمحل وجود السالك ، وترتفع عنه علائق وجود البشرية وعوائقها . وقالوا : إن كتم النفس وقت الذكر سبب لظهور آثار اللطف ، ونافع لشرح الصدر ، واطمئنان القلب ، ومساعد لوجدان حلاوة عظيمة فى الذكر ، وواسطة لحصول فوائد كثيرة غير هذه ، وأما ممدنا الأعظم وشيخنا الأمجد (يعنى سيدنا الشيخ بهاء الدين شاه نقشبند قدس الله روحه) فإنه لا يعد كتم النفس من لوازم الذكر ، كما لا يعد رعاية العدد منها ، ولكن رأى وجوب الوقوف القلبى ، لأنه خلاصة المقصود من الذكر هو الوقوف القلبى فالسالك متى يطالع جميع المكونات بنظر الفناء ويشاهد وجود الحق القديم سبحانه وتعالى بنظر البقاء ويلازم هذه العملية يستقر فى قلبه صورة حقيقة التوحيد على هذا المعنى ، وينكشف عن بصيرته حتى لا ترى تناقضا بين الشرع والعقل والتوحيد ، فيكون الذكر صفة لازمة لقلبه فى هذا المقام ، ويصل بعد ذلك إلى مقام تتحد فيه حقيقة الذكر بجوهر القلب ، فلا يبقى عنده فكر غير الحق ، فيفنى الذاكر فى الذكر ، والذكر فى المذكور ، فمتى خلت غرفة القلب عن مزاحمة الأغيار فقد بدا جمال سلطان (إلا الله) بحكم حديث (لا يسعنى أرضى ولا سمائى ولكن يسعنى قلب عبدى المؤمن) ، وظهر ذكر الحق عبده مجردا عن لباس الحرف والصوت على حسب وعد {اذكركم} ، وبانت خاصية {كل شىء هالك إلا وجهه} ، فيستغرق فى ذكر الروح ، ويستهلك مع ذاكريته ووجوده فى بحر {اذكركم} الذى لا نهاية له ، فإذا فنيت عن الذكر بالفكر فلك أن تقول له : ذكر خفى . (الخواجه محمد بارسبا ، الرسالة القدسية ، ص 41 - 43) .

ليست هناك تعليقات:

ابحث

Google